صديق الحسيني القنوجي البخاري
59
فتح البيان في مقاصد القرآن
كلا الفريقين مخلوقين للّه سبحانه من جملة البشر ، ومن المعلوم أنهم لا يستوون فكيف يجعلون للّه سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع اللّه سبحانه . وحاصل المعنى إنه كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزقه اللّه رزقا حسنا فهو ينفق منه ، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونهما وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تنفع ولا تضر ، وقيل المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة اللّه وعبوديته ، والآخر هو المؤمن . وقال ابن عباس بمعناه بأطول من هذا ، والغرض إنهما لا يستويان في الرتبة والشرف . وقال عطاء : هما أبو جهل بن هشام وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وقيل العبد هو الصنم والثاني عابد الصنم ، والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف لأن الأول جماد والثاني إنسان . الْحَمْدُ كله لِلَّهِ وحده حمد نفسه لأنه المنعم المستحق لجميع المحامد لا يستحق غيره من العباد شيئا منه فكيف تستحق الأصنام منه شيئا ولا نعمة منها أصلا لا بالأصالة ولا بالتوسط ، وقيل أراد الحمد للّه على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد ، وقيل أراد قل الحمد للّه ، والخطاب إما لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أو لمن رزقه اللّه رزقا حسنا ، وقيل إنه لما ذكر مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال الحمد للّه أي على قوة هذه الحجة . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة ، ونفى العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليهم أو هم يتركون الحق عنادا مع علمهم به فكانوا كمن لا علم له وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه يريد الخلق جميعا وأكثرهم المشركون أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل ، أو المراد أكثر المشركين لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم . ثم ذكر سبحانه مثلا ثانيا ضربه لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع فقال : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا آخر أوضح مما قبله وأظهر منه رَجُلَيْنِ بدل من مثل وتفسير له أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي العييّ المفحم ، وقيل هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام ، وقيل هو الذي ولد أخرس ، فكل أبكم أخرس ، وليس كل أخرس أبكم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر . ثم وصف الأبكم فقال : لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ من الأشياء المتعلقة بنفسه أو